أبي منصور الماتريدي
413
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : وَالْجِبالَ أَرْساها ، أثبتها ؛ لئلا تميد بأهلها . وقوله - عزّ وجل - : مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ : فيه أن ما جعله متاعا لنا قد جعل شيئا من ذلك للدواب أيضا ، والذي جعله للأنعام ، لم يجعل لنا فيه شركاء ؛ وذلك لأن الذي أنشأه لمتاع البشر منه ما يستخبث ويستقذر ، ومنه ما يستطاب ويدخر ، فجعل ما طاب منه للبشر ، وما خبث منه لمنافع الدواب ، والذي أنشأه لمنافع الدواب مما تستخبثه الطباع وتستقذره ، ففضّل أغذية « 1 » من فضّل منازلهم ، ففيما ذكرنا دلالة إباحة التناول من الطيبات ؛ إذ الله تعالى منّ على عباده أن جعل أغذيتهم بما طاب من الأشياء ، وفضلهم على الأنعام ، [ فمن كره ذلك ] « 2 » فقد كره الانتفاع بما أنشئ للانتفاع ، والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 34 إلى 46 ] فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى ( 34 ) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى ( 35 ) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى ( 36 ) فَأَمَّا مَنْ طَغى ( 37 ) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 38 ) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى ( 39 ) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ( 41 ) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ( 42 ) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها ( 43 ) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ( 44 ) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ( 45 ) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها ( 46 ) وقوله - عزّ وجل - : فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى قال : الطامة : هي الصيحة ، سميت : طامة ؛ لأنها تطم الأشياء وتعمها ، وسميت : كبرى ؛ لأنها إن طمت بالعذاب فهو يدوم ولا ينقطع ، وإن أحاطت بالثواب والكرامة فهو يدوم ولا ينقطع ؛ فسميت : كبرى ؛ لدوامها . وقوله - تعالى - : يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى : ما عمل ، وتذكره يكون بوجهين : أحدهما : بقراءته كتابه ؛ [ كقوله تعالى ] « 3 » : اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [ الإسراء : 14 ] والتذكر الثاني يكون بالجزاء . فالتذكر الأول يكون باللطف من الله تعالى ، وإلا فالمرء قد يكتب أشياء ، ثم ينساها إذا طالت المدة ، ولا يتذكر بالقراءة ، ففيما لم يتول كتابته « 4 » أحق ألا يتذكر ، لكن الله - تعالى - بلطفه يذكره بالقراءة ؛ فيعرف به صدق ما كتبته الملائكة ، ويعرف أنه إذا عوقب ، عوقب جزاء ما كسبته يداه ، ويكون الجزاء أبلغ في التذكير ؛ فيتذكر في ذلك الوقت ، أيضا .
--> ( 1 ) في أ : منه أغذيته . ( 2 ) في ب : بذلك . ( 3 ) في ب : قال الله تعالى . ( 4 ) في أ : كتابة .